صديق الحسيني القنوجي البخاري
92
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ أي متلبسين بجهالة ، أي جاهلين غير عارفين باللّه وبعقابه أي غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم ، وعن السلف كل من عصى اللّه فهو جاهل ، ولا يصدر العمل السوء إلا من الجاهل بالعاقبة ، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح ، وفيه بيان سعة مغفرته ورحمته لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح ، فيدخل تحته الكفر وسائر المعاصي ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة النساء . ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد عملهم للسوء ، وفيه تأكيد ، فإن « ثم » قد دلت على البعدية فأكدها بزيادة ذكر البعدية وَأَصْلَحُوا أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه ؛ ثم كرر ذلك تأكيدا وتقريرا فقال إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي من بعد التوبة لَغَفُورٌ كثير الغفران رَحِيمٌ أي واسع الرحمة . ولما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم ، وكان إبراهيم عليه السلام من الموحدين ، وهو قدوة كثير ممن ذكره اللّه في آخر هذه السورة قال إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قال ابن الأعرابي : يقال للرجل العالم أمة ، والأمة الرجل الجامع للخير . قال الواحدي : قال أكثر المفسرين معنى الأمة المعلم للخير وبه قال ابن مسعود ، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم أمة أنه كان معلما للخير أو جامعا لخصال الخير أو عالما بما علمه اللّه من الشرائع . وقيل إنه كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار ، فلهذا المعنى كان أمة وحده ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في زيد بن عمرو بن نفيل : « يبعثه اللّه أمة وحده لأنه كان فارق الجاهلية » . قال مجاهد : قيل بمعنى مأموم أي الذي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] وحكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري إنه قال : إن هذا مثل قول العرب فلان رحمة وعلامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث التناهي في المعنى الذي يصفونه به ، والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد ، كقوله فنادته الملائكة ، وإنما ناداه جبريل وحده ، وإنما سمي إبراهيم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الفضل وسمات الخير والأخلاق الحميدة ما اجتمع من أمة : ليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد « 1 »
--> ( 1 ) البيت من السريع ، وهو لأبي نواس في ديوانه 1 / 349 ، وبلا نسبة في شرح قطر الندى ص 114 .